الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
47
تفسير روح البيان
مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ من شدائدهما وأهوالهما في اسفاركم استعيرت الظلمة للمشقة لمشار كتهما في الهول وابطال الابصار فقيل لليوم الشديد يوم مظلم ويوم ذو كواكب اى اشتدت ظلمته حتى صار كالليل في ظلمته بناء على أن الليل إذا لم يستنر بنور القمر ظهرت الكواكب صغارها وكبارها وكلما اشتدت ظلمته اشتد ظهور الكواكب تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً اى معلنين ومسرين على أن يكون تضرعا وخفية مصدرين في موضع الحال من فاعل تدعونه وتدعون حال من فاعل ينجيكم اى داعين إياه تعالى والتضرع اظهار الضراعة وهي شدة الفقر والحاجة إلى الشيء لَئِنْ أَنْجانا حال من فاعل تدعون أيضا على إرادة القول اى تدعونه قائلين واللّه لئن خلصنا مِنْ هذِهِ الظلمات والشدائد لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ اى الراسخين في الشكر المداومين عليه لأجل هذه النعمة . والشكر الاعتراف بالنعمة مع القيام بحقها وحق نعمة اللّه ان يطاع منعمها ولا يعصى فضلا عن أن يشرك به ما لا يقدر على شئ أصلا قُلِ لهم اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ اى غم سواها والكرب غاية الغم الذي يأخذ بالنفس ثُمَّ أَنْتُمْ بعد ما تشاهدون من هذه النعم الجليلة تُشْرِكُونَ بعبادته تعالى غيره . والمناسب لقولهم لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ان يقال ثم أنتم لا تشكرون اى لا تعبدون لكن وضع تشركون موضعه تنبيها على أن الإشراك بمنزلة ترك الشكر رأسا قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً لأجل اشراككم مِنْ فَوْقِكُمْ اى عذابا كائنا من جهة الفوق كما فعل بقوم نوح عليه السلام بحيث أهلكهم بان أرسل عليهم الطوفان والصاعقة والريح والصيحة وأهلك قوم لوط وأصحاب الفيل بان أمطر عليهم حجارة أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ اى من جهة السفل كما أغرق فرعون وخسف بقارون . وقيل من فوقكم ملوككم وأكابركم ورؤسائكم ومن تحت أرجلكم عبيدكم السوء وسفلتكم وسفهائكم وكلمة أو لمنع الخلو دون الجمع فلا منع لما كان من الجهتين معا كما فعل بقوم نوح أَوْ يَلْبِسَكُمْ من لبست عليه الأمر اى خلطته من باب ضرب واما لبست الثوب فمن باب علم ومصدر الأول اللبس بالفتح والثاني بالضم والمعنى أو يخلطكم شِيَعاً منصوب على أنه حال من مفعول يلبسكم وهو جمع شيعة كسدرة وسدر . والشيعة كل قوم اجتمعوا على امر اى يخلطكم حال كونكم فرقا متجزئين على أهواء شتى ومذاهب مختلفة كل فرقة مشايعة لامام فينشب بينكم القتال اى يهيج ويظهر فهذا الخلط هو خلط اضطراب لا خلط اتفاق وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ يقاتل بعضكم بعضا ومن سنة اللّه تعالى ان يذيق الكافرين بأس المؤمنين وبالعكس وان يذيق بعض الكافرين بأس بعض وبعض المؤمنين بأس بعضهم كما هو في أكثر الأزمان والاعصار على حسب التربية المبنية على جماله وجلاله تعالى وفي الحديث ( سألت ربى ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألت ربى ان لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها فسألته ان لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها وسألته ان لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها ) أراد بالسنة قحطا يعم أمته وبالغرق بفتح الراء ما يكون على سبيل العموم كطوفان نوح عليه السلام قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده أفندي البر وسوى تأثير طوفان نوح عليه السلام يظهر في كل ثلاثين سنة مرة واحدة لكن على الخفة فيقع مطر